اخبرتني أنا تحب دولتها، أنها تعشقها وتعشق ترابها وتقدس العلم وتحياته، أنها ترى فيه العالم أوحد وتختزل فيه كل ما طاب من حسن الشمائل ومكارم الأخلاق
فقلت: هو يوتوبيا اذًا؟ أنتي تعيشين في يوتوبيا بكل تأكيد فمن المستحيل أن تتواجد بلد كهذه في أي مكان
فقالت: اسمع، اعرف ان دولتك حمقاء وفقيرة لكن هذا لا يشملني! إن علم دولتي يرفرف وسيرفرف حتى نهاية الزمن هاك انظر!
واخرجت هاتفها ثم أرتني فيديو مدته ثلاث ساعات لعلم بلدها وهو يرفرف بتموجات سريعة
بربرشت بعيني مذهولًا كاتمًا ما لا أستطيع قوله وانا أراقبها تعرض لي الفيديو بكل حماس.
قلت لها: سميرة، ألا يمكن ان نتحدث عن علاقتنا قليلًا؟
قالت باستثارة احمرت لها وجنتاها: فقط انظر انظر! هذا هو الجزء الأفضل!
فنظرت لأجد العلم يرفرف مجددًا ومجددًا دون تبديل أو اختلاف في زوايا التصوير. أردت أن أعترض ففتحت فمي ليخرج منه بالكاد حرف السين قبل أن ينتصب سبابتها في وجهي كي أصمت لتتحدث هي: أليس جميلًا؟ لونه زاه ويتباين بشكل جميل مع لون السماء أعتقد أنهم استخدموا قماش الساتان المعالج ليكون بهذا الجمال والزهو
لم أخبرها أن تصميمه جميل وبسيط فعلًا كيلا تطفح روحها وتزهق من الفرحة وهي تمنحني تقريرًا مفصلًا عن أسباب استخدام اللون ومعنى الشعار بل وعملية صناع العلم من تركيب الألوان حتى معالجة القماش وصناعة العامود الحديدي الذي يرفعه، ذلك الشيء السميك والطويل ذا اللون الأبيض والذي ينتهي بكرة فوق قمته تجعله يبدو مثل ال…
صرخت سميرة: هل ترى ذلك!
رددت مبهوتًا بالصرخة: ماذا ماذا هناك!
نشجت قليلًا ودمعت عيناها مردفة: انظر لهذه الحمامة!
حلقت حمامة بيضاء زاهية فوق العلم لثوان قبل أن تحط في النهاية فوق الكرة التي تشبه ال…
صدرت أنة مكتومة من سميرة وهي تشاهد الحمامة تهبط فوق قمة العامود لترقد في وضعية بدت فيها مرتاحة للغاية
لفت سميرة رأسها بسرعة جعلتني أنتفض في مقعدي وصرخت مرة أخرى
“ أتعرف ما يعني هذا؟؟ أتعرف؟”
أصفر وجهي عند هذه المرحلة وتعرقت وجف حلقي لأرد بعد ابتلاع ريقي: ماذا يعني يا عزيزتي
“ يعني أن هذا البلد سيكون آمنًا ولن يعرف الخوف أو الجوع أبدًا، لقد اختار الله هذا البلد وحفظه في رعايته آهه.. لكم أحبه لكم أحبه وأحب رئيسه!
قلت في نفسي : رئيسكم الذي اغتصب الحكم ونشر الفساد وقمع الحريات؟” ثم قلت بصوت عال: هذا جميل يا عزيزتي لكن أيمكن أن تغلقي الهاتف كي نتحدث قليلًا؟ فكما تعرفين لقد ركبت طائرة كي آتي إليك هنا في بلدك الوس..الجميلة وجل ما أريده هو أن نتحدث.
“ أجل أجل لنتحدث”!
واغلقت هاتفها،
أخيرًا!
“ لنتحدث عن رئيس دولتي!”
يلعن ميتينه!
“ اسمع اسمع انه رجل رائع وحكيم ووسيم وذو بصيرة كم..
قاطعتها سريعًا قبل أن تبدأ محاضرتها الجديدة.
قلت: سميرة... بالله عليكِ، أنا لم آتِ من بلدي لأناقش رئيسكم للمرة السابعة عشرة.
نظرت إليّ كما تنظر الأم لطفلٍ أعلن أنه لا يحب السمك للمرة المليون.
"وهل يوجد موضوع أهم؟"
قلت: نعم... نحن!
أجابت باستغراب حقيقي.
"نحن؟"
"نعم، نحن."!
"ومن نحن؟"
لوهلة أردت أن اقول لها أننا خطيبين يابنت الكلب فلماذا تتصرفين بغباء؟
لكنني تراجعت قائلًا: أنا وأنتِ
هزت رأسها.
"لا يا حبيبي... نحن ثلاثة."
تجمد الدم في عروقي.
"ثلاثة؟"
من الثالث؟ من هو ذلك الوغد الذي يتدخل بيني وبين خطيبتي؟
ابتسمت وهي تشير إلى النافذة.
"أنا... وأنت... والعلم."
كدت أصفع نفسي لأتأكد أنني ما زلت مستيقظًا ولا أهذي
قلت: طيب... لنفترض أن العلم خرج ليتمشى قليلًا. فهل يمكننا أن نتحدث أنا وأنت قليلًا؟
قالت بجدية جعلتني أشعر أنني ارتكبت جريمة حرب.
" توقف عن الهذيان العلم لا يخرج إنه يبقى شامخًا في مكانه والآن هيا لنطلب الطعام”
قلت: اجل اجل الطعام الطعام…
طلبت النادل.
قلت: لو سمحت... قائمة الطعام.
قالت سميرة بسرعة: "بل قائمة الوطن."!
قال النادل باعتذار: "نحن نسميها هنا فعلًا قائمة الوطن."
ابتسمت لي وكأنها انتصرت فحاولت ألا أطحن اسناني غيظًا وقلت: حسنًا... أريد دجاجًا.
قالت: "اسمه الدجاج الوطني."
فقلت:جميل!
قالت: "والأرز وطني."
قلت: ممتاز!
"والماء وطني."
"رائع."!
"والملح وطني."
"الله يبارك فيه."!
"والهواء..."
صرخت فيها: أعرف أعرف وطني وابن ستين وطني! حتى ثاني أكسيد الكربون يحمل الجنسية ويفخر بها أجل أعرف!
قالت: شطور!
قلت وأنا أدفن وجهي بين كفيّ:
"سميرة... هل يوجد شيء واحد في هذه الدولة لا تحبينه؟"
نظرت إليّ وكأنني سألتها إن كانت تكره الأكسجين.
"كيف أكره الكمال؟"
"مثلًا... حفرة في الطريق؟"
قالت بثقة: "صممت لتخفيف السرعة."
"الزحام؟"
"يعزز روح الانتماء."
"الغلاء؟"
"يشجع على القناعة."
"الفساد؟"
قطبت حاجبيها قليلًا.
"لا يوجد."
قلت: "لكن..."
رفعت سبابتها في وجهي مجددًا.
"ششش... لا تُفسد الصورة."
أقسم أن هذه المرأة لو رأت تنينًا يبتلع مدينة كاملة لقالت أن الحكومة كانت تنوي حماية التنانين من الإنقراض
قالت فجأة:
"انتظر!"
وتناولت الهاتف مرة أخرى.
صرخت مذعورًا:
"لا... أرجوك لا فيديو آخر!"
قالت:
" لا لا ايهل السخيف هذا ليس فيديو."
تنفست الصعداء.
"إنها صور."!
ثم أخذت تقلب ألفًا وثلاثمائة وستًا وأربعين صورة للعلم.
العلم في الصباح.
العلم في الظهر.
العلم عند الغروب.
العلم تحت المطر.
العلم بعد المطر.
العلم قبل المطر.
العلم وهو لا يفعل شيئًا سوى أنه... علم.
وفي كل صورة كانت تتنهد.
"الله..."
ثم التالية.
"يا سلام..."
ثم التالية.
"انظر إلى الهيبة."
حتى بدأت أشك أن القماش يمتلك نوعًا التنويم المغناطيسي.
قلت لها أخيرًا!
"سميرة... سؤال."
"تفضل."
"لو احترق العلم... ماذا ستفعلين؟"
شهقت شهقةً جعلت المطعم كله يلتفت إلينا.
ثم وضعت يدها على صدرها.
"استغفر الله."
قلت:
"أنا أنا.. أفترض فقط."
قالت:
"لا تفترض! هل أنت احمق؟"
"لماذا؟"
"لأنه لا يحترق."!
"كل شيء يحترق."
قالت بثقة:
"ليس هو."
"لماذا؟"
"لأن حب الشعب يطفئ النار."
سكتُّ. بالطبع حب الشعب بالطبع؟ كيف غاب عن بالي؟؟
ثم أمسكت يدي فجأة، فابتسمت ليتلاشى مني الضيق، وقلت في نفسي: أخيرًا أخيرًا سنتحدث كبشر!.
قالت وهي تحدق في عيني:
"أريد أن أسألك شيئًا."
"تفضلي."
"هل تستطيع أن تحب وطني كما أحبه؟"
قلت بصدق: "أستطيع احترامه.!
سحبت يدها فورًا.
"إذًا لن ننجح."
قلت متوترًا: "يا سميرة... وحياة أمك لقد جئت من آخر الدنيا لأراكِ."
قالت:
"وأنا أريد من يأتي ليرى العلم."
"وأنا؟"
"أنت ملحق."
"ملحق؟"
"نعم."
"يعني في المرتبة الثانية؟"
هزت رأسها.
"لا."
"الثالثة؟"
"لا."
"الرابعة؟"
"أبعد.”
ساد صمت قصير. ثم وقفت. عدلت فستانها، وأخذت نفسًا عميقًا، وقالت بنبرة احتفالية:
"لقد اتخذت قراري."
قلت بقلق وترقب:
"أي قرار معلش؟؟"
قالت:
"لن نستمر."
شعرت أن شيئًا في صدري انكسر فتمنيت أن يكون ظهري.
قلت:
"لهذه الدرجة؟"
قالت:
"أنت طيب... لكنك لا تقدر حب الوطن."
"أيعقل أن تتركيني لهذا السبب؟"
ابتسمت.
ثم نظرت إلى العلم الذي كان يرفرف خارج نافذة المقهى.
وقالت بحنان لم أسمع مثله في حياتي:
"لقد وجدت من يستحق قلبي."
اتبعت نظرتها.
كان العلم.
قلت وأنا أكاد أختنق:
"تقصدين..."
قالت:
"نعم."
ثم مشت نحوه ببطء.
وقفت أمام السارية.
وضعت يدها على العمود الأبيض الطويل... ذلك الذي ينتهي بكرة فوق قمته ويبدو مثل...
وأخذت تلاطفه بحنان.
ثم التفتت إليّ وقالت:
"سامحني...لكن بينك وبينه...هو الوحيد الذي يظل مرفوعًا دائمًا."
ثم احتضنت السارية بكلتا يديها.وأغمضت عينيها قائلة: "أوافق."
ثم قبلت السارية، قبل أن يأتي عامل البلدية ليخرج من بعيد وهو يحمل شريط زينة، ويبدأ في لفه حولهما، بينما كانت سميرة تبتسم كعروس في ليلة زفافها.
وفي المطار سألني موظف الجوازات:
"سبب انتهاء العلاقة؟"
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت:
"خسرت أمام الوطن و ذلك الشيء السميك والطويل ذا اللون الأبيض والذي ينتهي بكرة فوق قمته تجعله يبدو مثل ال…
فختم جوازي


